مهاجر غير شرعي (2) المطار الجديد بقلم جمال عمر

27 09 2011

(2)

 

       

       شقت بنا السيارة ” السوزوكي” “النونو” الطريق الزراعي، الواصل بين بنها والقاهرة، في سرعة عجيبة، طالما تصورت أن هذه السيارات تجري فقط داخل شوارع بنها الصغيرة، ولكني فوجئت بقدرتها على الجري على الطرق السريعة أيضا، في طريقها لمبنى مطار القاهرة الجديد، وهذه أول مرة أذهب فيها الى المطار قديما كان أو جديدا ، فلم أذهب لاستقبال أحد أو وداع أحد، فهذه أول مرة في حياتي أقترب من المطار.

        وصلنا الى المطار حوالي الحادية عشرة مساءا، حينما اقتربت من مدخل المبني كان هناك جهاز أشعة لكشف محتويات الحقائب، فلم نعرف ان كان أصحابي يستطيعون الدخول أم لا، فآثرنا الوقوف في الخارج أمام المدخل، نتبادل بعض عبارات الوداع.

كانت الكلمات بيننا فقيرة في معانيها وان كانت جارفة في مشاعرها، الأكثر معرفة بماذا يفعل كان وائل، ربما لأن له أصحاب غادروا من قبل، وهو نفسه سافر الى الأردن في أحد أجازات الصيف من قبل، فربما هذه، ليست المرة الأولى التي يأتي فيها الى المطار كالأخرين، وربما لأنه هو الآخر كان يفكر في السفر ويحاول، وبالفعل كنا نتحدث مرات ومرات حول الفكرة، حتى أخبرني أنه ليس مستعد الأن ماديا.

كنت قلق، خوفا من شيء غير متوقع يحدث في المطار يمنعني من السفر، من اخطبوط الروتين المصري العتيد، أو كرامات الحقد في قريتنا: كأن يُبلغ أحد عني أني عضو في تنظيم ديني، أو أني أتاجر في المخدرات التي تشتهر بها قريتي. أو أن هناك عهدة أميرية لم أسلمها، أو أخلي طرفي منها، أو أن جواز السفر الذي استخرجته منذ عدة شهور مسجل في قائمة سوداء أو حمراء أو بنية، لأي سبب  فسلمت على أصحابي، ليس هناك داعي لانتظارهم سوف أدخل لأتمم الاجراءات، فذكر وائل: سوف ننتظر بالخارج هنا ثلث ساعة فان لم تحتج شيئا سوف نغادر.

 

          أخذت حقيبتي ودخلت لأقف في طابور صغير يتحرك بسرعة، أضع الحقيبة على السير، لتمر عبر الجهاز الكاشف لمحتويات الحقائب، فمرت بسرعة دون صوت انذار، داخل الصالة توجهت الى شركة الطيران انها شركة ” ايبريا” الاسبانية، فليس هناك طيران مصري أو عربي الى دولة ” الاكوادور”. شحنت شركة الطيران حقيبتي لأنها كبيرة قليلا عن حقيبة اليد .

توجهت الى المكان المخصص لجوازات السفر وأختام الخروج، حاملا جواز سفري الأول في حياتي بيدي. اقترب الطابور رويدا رويدا من النافذة، فامتدت يدي الي ضابط الجوازات، الذي أخذ الجواز وفتحه ونظر الى صورة الجواز ونظر الى وجهي، ورفع يده وهبط بها، حاملا ختم التصريح بالخروج من مصر ولم تستغرق العملية كلها أكثر من خمس دقائق. يا ربي خمسة دقائق! لو علمت ذلك من قبل لتسامرت مع أصحابي لوقت أطول قبل فراقنا، فأمامي الأن ساعة ونصف على موعد مغادرة الطائرة. فماذا أفعل طوال هذه المدة؟

         صعدت الى الدور العلوي  حيث مكان الانتظار، حتى موعد رحلة الخروج، في صالة الانتظار، حيث المحلات النظيفة المنظمة البراقة من أجل الأجانب. ففي هذه الصالة تصل وتغادر العديد من شركات الطيران الأوروبية والغربية، وروبما يكون هذا هو النظام العام في المطار فأنا لم أسافر من قبل.

تخلل حنايا الصالة صوت أم كلثوم، تشدو بقصيدة ابراهيم ناجي وألحان رياض السنباطي، في أخر مقطع من أغنية الأطلال، وباحساس الريفي الذي يرحل ويغادر الوطن لأول مرة شعرت أن كل شيء حولي ربما لن أجده مرة أخرى، رأيت الأشياء العادية التي لم أكن ألتفت اليها، تصبح أشياء مهمة وضرورية، وجدت قدماي تذهب بي الى موظف داخل أحد المحلات، والمتحكم في جهاز التسجيل الذي خرج منه صوت أم كلثوم، لأقترب منه وأقول:

    – انا مسافر الليلة عن مصر ومعرفش امتى هرجع تاني، هل ممكن ان يكون صوت ثوما هو آخر شيء أودع به مصر؟

  هكذا أخبرت الرجل، الذي نظر الي وابتسم وقال:

– تحت أمرك.

فبدأ صوت أم كلثوم بعد المقدمة الموسيقية:

يافؤادي لا تسل أين الهوى

                      كان صرحا من خيال فهوى

اسقني واشرب على أطلاله

                      واروِي عني طالما الدمع روى.

وبينما أنا جالس أسمع وأنتظر، رأيت هذا الشاب متوسط الطول عريض المنكبين، داكن لون البشرة، وضع كمية من الدهون على شعره، الذي يلمع حتى كأنه يقطر على كتفيه، وهو تقريبا في نفس سني، دخل الى القاعة، يحمل حقيبة كتف صغيرة هو الآخر، جلس على المقعد القريب مني، تبادنا النظرات، وبعد التحية، عرفني باسمه محمد وعرفته بنفسي وسألته:

–        على فين يامحمد؟

–        أنا مسافر على ” الاكوادور”

تجمدت الكلمات في اذني، هل يمكن أن يكون محمد من قريتي وفي نفس سني ولا أعرفه؟ مستحيل، على الأقل سوف أعرف ملامح وجهه، ولا يمكن أن يكون الأمر كلة صدفة، وهل هناك أفراد أخرين يعرفون طريق التهريب الى أمريكا خارج قريتنا.

–        انت من اين يامحمد؟

–        من بنها

خف العجب حينما عرفت أن محمد من كفر مجاور لقريتنا، وهو ذاهب في نفس طريقي.

وانخرطنا في الضحك عندما عرفنا أننا من قريتين متجاورتين، لعلة الاحساس، برفيق للطريق يظهر فجأة بلا ترتيب أو انتظار.

محمد من هذا الكفر المجاور لقريتنا وهناك علاقات نسب وصلة رحم بين الاثنين. وفي نفس الوقت علاقة تعالي من قريتنا على الكفر، فقريتي اكثر اقترابا من المركز ونسبة التعليم أكبر، الكفر ُسمى على اسم عائلة من عائلات ملاك الأراضي قبل نظام يوليو، وكان يتمازح أبناء قريتي حينما أراد الكفر أن يغير اسمة الى كفر الأحرار. ويالها من صراعات بين القرية والكفر في مناسبات موالد الأولياء كل عام والمشاغبات بين الاثنين، وخصوصا تعلق الكفراوية بصوت الشيخ شرف الذي يُحي المولد عندهم كل عام، وكانت قريتي تتندر بذلك.

ارتفع صوت أم كلثوم:

 “هل رأى الحب سكارى مثلنا؟”

    

       دخل الى القاعة شابين وفي علامة من علامات المفاجأة لهما ولمحمد ولي، اتجها نحونا، أعرفهما، عدنان يصغرني بسنة لم يكمل تعليمه وترك المدرسة في المرحلة الابتدائية وعمل فلاح في أرض عائلته واهتم بتربية المواشي، وكان يتاجر فيها، ربعة ليس بالبدين أو النحيف، يظهر الخبث من عينيه. والآخر راشد، شاب في السابعة عشرة من عمرة طويل فارع الطول نحيف، أعرفه انه من عائلتي وفي نفس الوقت هو ابن أخت عدنان. وهما في طريقهما الى “الاكوادور ” أيضا.

الطريف أن محمد بعد المغرب، ذهب الى صديقه عدنان يسلم عليه ويخبره أنه مسافر الليلة الى أمريكا، خصوصا أن عدنان له اخوين في أمريكا وله أبناء عم كذلك هناك. ولم يخبر عدنان محمد أنه هو أيضا مسافر. وها هما يلتقيان في المطار.

سأل محمد، عدنان لماذا لم يخبره أنه مسافر هو أيضا، ضحك عدنان بخبث وقال انه اعتقد أنه مسافر على الايطالية – يعني شركة الطيران الايطالية- وأن باله كان مشغول جدا فنسى.

 هل هو الصراع الأبدي بين القرية والكفر؟ أم أن محمد كان يريد أرقام تليفونات اخوة عدنان في أمريكا، فربما يحتاج الى مساعدتهم بالمال أو العون في الطريق. فعدنان مطمئن لأن له اخوة وأبناء عمومة سوف يدفعون ويتابعون تكاليف رحلته هو وابن أخته راشد، وليس حال محمد كذلك. فليس له اخوة في أمريكا، ولكنة بدأ يتباهى أن له أخ في السعودية مستعد لكل التكاليف .

لم يكن لي علاقة بعدنان أو راشد، فأعرفهما بالشكل فقط ولم نكن في يوم أصحاب. لكن هاهي مجموعة وفريق سفر يتخلق في ساعة انتظار في مطار القاهرة، بلا تخطيط أو ترتيب.

ارتفع صوت أم كلثوم شاديا بأخر مقطع من الاطلال: “

ومضى كل الى غايته فلا تقل شئنا فان الحظ شاء فان الحظ شاء” .

 

      ارتفع صوت الميكرفون الداخلي في صالة الانتظار ينادي على رحلتنا التي تأخر موعدها خمسة عشر دقيقة، فاتجهنا الى بوابة الدخول وسرنا في ممر ممتد من الصالة الى باب الطائرة، في طريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي تظهرها الأفلام العربية فدائما هناك درجات سلم للصعود والهبوط الى الطائرة. ما أقبحها الأفلام العربية التي لا تلحق بركاب التغيرات التي تحدث في واقع الحياة المعاشة لتعدنا لهذه الحياة وذلك الواقع الذي يواجهنا. فقد كان تصوري دائما أنني سأفعل ما أراه في الأفلام المصرية داخل المطار.

دخلت الطائرة الصغيرة، جاء مكان جلوسي بجوار شاب مصري اسمه أسعد وهو مسافر الى الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة، وليس الى ” الاكوادور”. وهو يعمل في الولايات المتحدة وكان في زيارة لأهله في مصر. وقد غرت منه كثيرا. وكنت أتمنى أن تكون رحلتي مباشرة مثله.

          شعرت أني مقبل على عالم أخر لم أعد له. 

          بدأت الطائرة الحركة، ففعلت كل مافعل أسعد. دقائق قليلة وبدأت الطائرة تجري على أرض مطار القاهرة الجديد، ترتفع فأشعر بهتزاز وتنسحب روحي، مثل شعور مراجيح المولد أو العيد. بدأت ترتفع الطائرة عن سطح الأرض، وبدأت تبعد أنوار طريق جريان الطائرة في المطار. وتظهر أنوار القاهرة الليلية تتلألأ. تنطلق الطائرة الاسبانية، فتأخذنا بعيدا عن الأهل والوطن والاصدقاء، الى طريق غامض. فيتردد صوت أم كلثوم الذي ودعت به أرض مصر ” لا تقل شئنا فان الحظ شاء”.


الإجراءات

Information

13 تعليق

31 08 2010
سيف من الجزائر

السلام عليكم والله العظيم قصة جميلة لو انها حقا حقيقية ان كانت حقيقية فانا صحفي في جريدة لبارتي الجزائرية الفرنسية ساقوم بنشرها بعد ان تصارحني اهي حقيقية ام خيال مشكور اخي العزيز اتمنا لك الهجرة الى حيث تريد فما احلى السفر ومعرفة ما خلق الله

1 09 2010
غير معروف

أستاذ سيف
تحيات طيبة هذه قصتي وقد نشرتها في كتاب خرجت طبعته الثانية الشهر الماضي بعنوان مهاجر غير شرعي عن دار الثقافة الجديدة بالقاهرة
شكرا على اهتمامك

2 09 2010
Iron Cobra

السلام عليكم يا أستاذ جمال ورمضان كريم، وعيد سعيد إن شاء الله.
إستمتعت جداً بقراءة مدونتك التي تعثرت بها بالصدفة، وأرغب في شراء كتابيك (مهاجر غير شرعي)، و(تسلل)، وهل أصدرت (يوميات تاكسجي في نيويورك) ككتاب أم لا.
المشكلة أنني لا أستطيع العثور عليهم هنا في أمريكا، ولا أريد أن أزيد من الأثقال على أصدقائي بمصر لأنك تعرف كم هي هذة الأشياء مكلفة، وهم طبعاً يرفضون أن يأخذوا مني حسابها.
فهل يمكن أن تدلني، على مكان أشتريها منة، وللعلم سأكون في نيويورك لمدة أسبوع بعد العيد، وسأزور طبعاً الأحياء العربية هناك؛ حيث أنني لم تسنح لي أبداً زيارة نيويورك رغم هجرتي لأمريكي منذ إحدى عشر عاماً، وزيارتي لمعظم الولايات الأمريكية لكن الظروف لم تسقني أبداً لزيارة نيويورك، فهل يمكن أن أجد هذة الكتب لدي المحلات العربية في نيويورك، أو لوس أنجيليس.

3 09 2010
خادم الرواق

أشكرك شكرا جزيلا على زوقك
هو كتاب واحد تسلل هو مهاجر غير شرعي وقد صدر عن دار الثقافة الجديدة لم تصلني نسخ هنا في نيويورك ويسعدني ان ارسل لك نسخة بالإيميل اذا اردت فقط راسلني على ايميلي الخاص eomar1970@yahoo.com
بالنسبة ليوميات تاكسجي لم تكتمل بعد
شكرا على اهتمامك

3 10 2010
هيثم

السلام عليكم
فى البداية لقد اعجبتنى هذه القصة كثيرا
ولكن عندى استفسار بسيط
ممكن حضرتك تخبرنى بتكاليف السفر الى الاكوادور ضرورى لانى اريد السفر ومش عارف تكلفة السفر الى الاكوادور
ارجو الافادة عن طريق ارسال رسالة الى الايميل الخاص بى
وشكرااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

3 10 2010
خادم الرواق

جميل يا أستاذ هيثم
هذا من عقد مضى ةالإكوادور الأن فيها مشاكل محاولة عزل رئيسها رافائيل قريع ويمكن اسم قريع يوحي بشي في الكتاب
لا أعرف ما هو ايملك الخاص انت لم تتركه في التعليق
تحياتي

16 12 2010
هيثم

االسلام عليكم
يميلى هو turbo_2022@yahoo.com
ممكن حضرتك تضيفه عندك ونتواصل من خلاله

20 12 2010
عب

انا وجدت المقالة صدفة واعتقد انها تزداد تشويقا ياريت لو حضرتك تبعتلي نشخة من الكتاب على ايميلي
booudyboudy_3@hotmail.com
اكون شاكر جدا واتمنى لك التوفيق
ولو نزلت مصر اجازة اتمنى ان اقابلك
عبيد الله

20 12 2010
عب

انا وجدت المقالة صدفة واعتقد انها تزداد تشويقا ياريت لو حضرتك تبعتلي نشخة من الكتاب على ايميلي
boudyboudy_3@hotmail.com
اكون شاكر جدا واتمنى لك التوفيق
ولو نزلت مصر اجازة اتمنى ان اقابلك
عبيد الله

20 12 2010
gamalomar1

شكرا على اهتمامك
نلتقي قريبا

26 06 2011
غير معروف

مقالة فعلا مشوقة … مشكووور عليها كتير استاذ جمال .. فهل الرحلة فعلا تستحق المغامرة وهل كللت تلك الرحلة بالنجاح … اعتقد تكاليف السفر فقط ما يوازي 10 آلاف جنيه والله أعلم ….. نرجو التواصل

24 09 2011
sameh

انا مسافر الى الاكودوار واريد ان يكون لى اصدقاء هناك من الاخوه العرب لانى سوف اتزوج فى الاكودوار وهذا هو الاميل الخاص sameh.skype@hotmail.com

1 08 2012
غير معروف

السلام عليكم يا استاذ جمال
انا الرواية اخدتنى معاها لدرجة انى مش قادر استنى لما اكملها
لكن انا دورت عليها كتير بس مش لاقيها خالص ياريت حضرتك لو تبعتلى نسخة من الكتاب
montereal2000@yahoo.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: