سلامة احمد سلامة ينعي فقيد مصر عبد الوهاب المسيري

5 07 2008

44407 ‏السنة 132-العدد 2008 يوليو 6 ‏3 من رجب 1429 هـ الأحد

 

من قريب
بقلم‏:‏ سلامة أحمد سلامة

المسيري‏!!‏

يرحل كثير من الأعلام دون أن يتركوا وراءهم أثرا غير نقش علي الرمال‏,‏ سرعان ماتذروه رياح كل جديد من فنون العلم والمعرفة وتعاقب الأجيال‏..‏ ولكن تبقي تلك الحفنة القليلة من الرواد الذين امتلكوا جسارة العقل‏,‏ ونفاذ البصيرة‏,‏ والايمان بالعلم والمعرفة‏,‏ طريقا الي الحقيقة‏,‏ هم الذين يتركون وراءهم علامات علي الطريق‏.‏

أحد هؤلاء القلائل الذين يندر ظهورهم في عصور القلق والحيرة والضياع التي تمر بها الأمة العربية‏,‏ هو الراحل المفكر الكبير الموسوعي عبد الوهاب المسيري‏..‏ الذي تفقد الأمة بفقده كنزا هائلا من العمل الجاد المثابر‏,‏ أحدث من خلاله انقلابا جذريا في طريقة التفكير العربية إزاء الصراع العربي الإسرائيلي‏.‏ وصحح كثيرا من المفاهيم التي كانت تضع المسألة اليهودية خارج سياقها الحضاري والتاريخي والانساني‏,‏ وقدم لأول مرة دراسة معمقة للدين اليهودي وللهويات اليهودية المتعاقبة التي أثبتت أنهم ليسوا جنسا فريدا موعودا من الله‏..‏ بل هم جزء أصيل من الحضارة الغربية الاستعمارية‏,‏ له وظيفته في تقسيم العالم العربي‏,‏ واستغلال ثرواته‏,‏ وإضعاف قدراته‏.‏

قدم المسيري في دراساته تفسيرات علمية مؤصلة لكثير من الظواهر التي ضللت العرب في صراعهم التاريخي مع الكيان الصهيوني‏..‏ ورأي أن اختزال هذه الظواهر في تصورات تآمرية قد ساعد علي إنحرافهم عن التعامل الصحيح مع المستوطن اليهودي الذي يحمل السلاح ويغتصب الأرض العربية‏..‏

كما قدم تأويلا بارعا لظاهرة التحالف العضوي بين الغرب والدولة اليهودية‏,‏ والأسباب الحقيقية لسيطرة اللوبي الصهيوني علي مراكز صنع السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط‏,‏ والتي تري أن مصالحها الاستراتيجية هي في التجزئة العربية التي تقوم إسرائيل بدور الخادم الأمين لتحقيقها‏.‏

ولأن الصهيونية هي جزء من التشكيل الاستعماري الغربي‏,‏ فقد حرص الغرب علي إبقاء إسرائيل كقاعدة حضارية وأمنية للدفاع عن مصالحه‏,‏ في منطقة ظلت في الوعي الغربي مختلفة حضاريا ومعادية فكريا‏.‏ وهو ماتجلي بوضوح في السياسات التي أعادت بعث العداوات التاريخية بين الغرب والإسلام‏,‏ كما عبر عنها بوش‏,‏ ثم في حروب الإبادة التي شنتها أمريكا في أفغانستان والعراق‏,‏ وقد لا تنتهي إلا بإيران‏!!‏

رسخ المسيري هذه الأفكار‏,‏ ودافع عنها نظريا وعمليا‏.‏ وشارك في الحراك السياسي المصري الذي رفض جمود الأوضاع‏,‏ وانسياق المشروع الحضاري العربي وراء اللحاق بالغرب‏..‏ ودفع ثمن تضحياته غاليا حين لاحقته الأجهزة‏,‏ وهو يشارك بعمره السبعيني في المسيرات‏.‏ ليبقي رمزا لخلود لا يمحو آثاره إنكار الكارهين والجاحدين‏!‏


الإجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: