د. عاصم الدسوقي بخبرة المؤرخ يحلل ازمة مصر الان في نهاية وعام وبداية اخر

1 01 2008
منذ انقسمت المجتمعات البشرية فيما بينها إلي طبقات حسب الموقف من امتلاك وسائل الثروة ظهر التناقض الاجتماعي بين من يملكون ومن لا يملكون.. ومنذ صعدت طبقة الأغنياء إلي سدة الحكم وأمسكت بالسلطة واجهت الدولة مشكلة التوازن الاجتماعي بين طرفي عملية إنتاج الثروة (العمل ورأس المال).

 وعبر تاريخ طويل من حركات التمرد والصراع الدامي بين الفقراء والأغنياء.. بين الفلاحين وأصحاب الأراضي.. وبين العمال وأصحاب المصانع انتهت تلك المجتمعات إلي صيغة لضبط العلاقة بين طرفي الإنتاج بحيث لا يجور أحدهما علي الآخر.. أي لا يطغي الأغنياء علي الفقراء.. ولا يعتدي الفقراء علي مصالح الأغنياء. وعلي هذا بدأ الأغنياء يتحصنون في روابطهم وأنديتهم، واحتمي الفقراء في نقاباتهم وجمعياتهم، واستقرت العلاقة بين الطرفين في ضوء القانون الذي قامت فكرته علي أساس نفسي يتلخص في أن الإنسان يسعي للفائدة ويتجنب الضرر، وتتكفل العقوبة القانونية بتحقيق هذا التوازن.تلك هي الصيغة التي توصلت لها المجتمعات الرأسمالية في الغرب الأوروبي منذ مطلع القرن التاسع عشر ومن هنا نجح حكم الرأسمالية في تلك البلاد ولا تزال بفضل قدرة أصحاب رأس المال علي تجديد عناصر الحكم والإدارة بما يسمح بحفظ التوازن بين طرفي الإنتاج حماية لثروتهم من الفقراء ولأنهم لا زالوا يعتقدون أن العمل أقوي من رأس المال، وتلك حقيقة علمها الطرفان.

أما في مصر.. فإن الأمور تجري خارج التطور التاريخي.. وبدون الدخول في تفاصيل تاريخية ترهق ذهن القارئ وتصرفنا عن موضوعنا الرئيسي فإن الدولة المصرية الحديثة التي أنشأها محمد علي باشا في منتصف القرن التاسع عشر كانت تتولي إدارة مفردات الإنتاج والخدمات فيما اصطلح علي تسميته بنظام الاحتكار أو رأسمالية الدولة. وتمثلت أهم عناصر حكومة محمد علي في تعليم أبناء المصريين في المدرسة الحديثة مجانا ثم تعيينهم في مختلف الوظائف وكان هذا أساس نشأة الطبقة الوسطي المصرية وقوامها من الموظفين في سائر الوحدات. ثم تخلت الدولة عن هذا الأسلوب مع كسر نظام محمد علي وحدوث عصر الانفتاح الأول بتدفق رأس المال الأجنبي وتحرير علاقة الإنتاج وظلت كذلك حتي عادت الدولة إلي دورها الاقتصادي – الاجتماعي مع ثورة يوليه ١٩٥٢.. ولكن.. ومع سياسات الخصخصة وتحرير علاقات الإنتاج التي بدأت علي استحياء في منتصف السبعينيات أخذت الدولة تتخلي تدريجيا عن دورها الاقتصادي-الاجتماعي وتركت الفقراء لعناصر السوق المتمثلة في قانون العرض والطلب بشكل فجائي ودون إعداد وتأهيل.

فلما لجأ الفقراء إلي نقاباتهم وإلي جمعياتهم للتصرف قبل أن يصرعهم الموت.. عجزت النقابات عن فعل أي شيء لأن مبدأ التظاهر أو الاحتجاج غير معترف به لدي الحكام.. وفشلت الجمعيات لأن القانون الذي يحكمها يمنعها من الاشتغال بالسياسة والدين. فإذا وضعنا في الاعتبار أن عناصر الحكم في مصر وعلي مدي سنوات ليست قليلة هم من طبقة الأغنياء أو ما يطلق عليهم تجاوزا رجال الأعمال أدركنا المحنة التي أصبح يعيش فيها أفراد الطبقة الوسطي في مصر من الموظفين والعمال.. إذ أصبحنا أمام حالة استبدادية من نوع غير مسبوق.. أمام رأسماليين بدون رأسمالية.. رأسماليون لا يعرفون من النظام الرأسمالي إلا حرية رأس المال المطلقة.. ولا حرية أو حقوق لمن يعمل ولا يملك.

وعندما يأس أبناء الطبقة الوسطي بمعناها العريض من الاستجابة لشكاياتهم والنظر بعطف إلي أحوالهم الآخذة في التدهور يوما بعد يوم.. وبعد أن انسدت القنوات الشرعية أمامهم للاستجابة، لم يجدوا إلا الاعتصام في أماكن العمل مثل عمال المحلة الكبري إلي أن يقضي الله أمره، أو افتراش الأرض مثلما فعل عمال وموظفو الضرائب العقارية في صورة من صور التمرد “المهذب وغير العنيف” إبقاء علي شعرة معاوية.

والغريب في كل هذه التطورات أن حكومة رجال الأعمال لا تلتفت إلي ما يحدث، ولا تخشي من احتمال تطور المواقف إلي ما لا يحمد عقباه لا لشيء إلا أنها تحتمي بالقانون.. والقانون في الدولة لصالحهم.. والشرطة التي هي أداة القانون تتكفل بإنهاء الأزمات عن طريق العصف بالمتظاهرين وبالمحتجين بمختلف الطرق والوسائل وحسب المقام ووفق مقتضي الحال. ومن عجب أكثر وأكثر أن هؤلاء الحكام الذين درس بعضهم في دول رأسمالية وعاش بعضهم فترة من حياتهم هناك لم يحاولوا أن يتعرفوا علي أسرار نجاح النظام الرأسمالي في تلك البلاد، ولم يكتشفوا أن صيغة الحكم هناك تقوم علي أن الحكم لرأس المال لكن من حق غير الرأسماليين من العمال والموظفين أن يدافعوا عن مصالحهم من خلال النشاط النقابي دون أن يجرؤ أحد علي تحريم هذا النشاط أو تجريمه تحت أي دعاوي وحجج مثل التي تشهرها حكومة رجال الأعمال في مصر..لقد انشغل المفكرون بقضية الحاكم العادل حتي من قبل الأديان السماوية دون جدوي. وعندما يأس أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد من وجود هذا الحاكم لم يجد من سبيل إلا أن يشترط علي الحاكم ألا يتزوج وألا يملك حتي يمكن أن يكون عادلا..ورحم الله غاندي زعيم الهند الذي ذهب ليقابل ملك إنجلترا بردائه العادي الذي يكشف أكثر مما يستر وهو حافي القدمين إلا من مركوب بدائي.. ولما قيل له يجب أن تظهر أمام الملك بملابس محترمة قال: لا أستطيع أن أفعل ذلك وأنا أمثل أمة من العرايا الجياع.


الإجراءات

Information

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: