المستشار الخضيري رئيس نادي قضاة الاسكندرية يرد على قانون الحكومة

21 11 2007
المستشار/ محمود الخضيري يكتب: يا قضاة مصر إلي متي

سيظل أمركم بغير أيديكم؟ ٢١/١١/٢٠٠٧

عندما قال الإمام محمد عبده ـ رحمه الله ـ قولته المشهورة، التي صارت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها: «إن خير ضمانة للقاضي أن يكون مصيره بيد مجتمع إخوانه»، كان ـ رحمه الله ـ يعني ما يقول ويقول ما يشعر به ويعيشه حقيقة وواقعاً، فإنه لا استقلال للقضاء سوي أن يكون مصيره ومستقبله بيد إخوانه من القضاة ممثلين في جمعياتهم العمومية في المحاكم أو نادي القضاة، ومصيره ومستقبله لا يكون في الأمور المادية فقط من رواتب ومخصصات، ولكن في الأمور المعنوية من حصانات وضمانات تكفل له الاطمئنان في أداء عمله، بحيث لا يشعر بالخوف علي مستقبله ومستقبل أولاده وهو ينظر في دعاوي لطرف قوي له فيها مصلحة.حكي لي زميل فاضل تعرض لظلم كبير بسبب قضية لها حساسية شديدة لنفوذ أطرافها، قال: «أشعر الآن وأنا أنظر في أي قضية بأن هناك ثعباناً سيخرج لي من بين طيات أوراقها يلدغني، فيجمد الدم في عروقي، وأظل أتصبب عرقاً وأبتعد عن العمل حتي تهدأ نفسي وأعاود اتزاني وأستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عدة مرات حتي تسكن نفسي وأستطيع أن أستعيد قدرتي علي العمل».. هل هذا القاضي يصلح وهو في هذه الحالة للحكم بين الناس وإعطاء كل ذي حق حقه؟ هل مثل هذا القاضي يستطيع إذا أتي إليه بمظلوم سلبت الحكومة أمواله أو اعتدت علي حريته أو عرضه أن ينصفه ويعطيه حقه وهو المسلوبة حريته المهضوم حقه؟

.دار بخلدي كل ذلك، وأنا أطالع جريدة «المصري اليوم» صباح أمس ٢٠/١١/٢٠٠٧ وقراءة مشروع القرار بقانون الذي أعدته وزارة العدل، لإحكام السيطرة علي القضاة، فلم أتمالك نفسي وأمسكت بقلمي كي أعبر عما جاش في صدري بعد إقرار هذا المشروع الذي يعتبر التعديل الثاني لقانون السلطة القضائية إلي الأسوء في أقل من عام واحد، رغم أن الجميع يعلم أن القضاة كافحوا حوالي عشرين عاماً من أجل تعديل واحد يحصلون بموجبه علي بعض الضمانات، وعقدت الجمعيات العمومية المتعاقبة والوقفات الاحتجاجية والاعتصام، إلي أن تم لهم القليل بما كافحوا من أجله، ويبدو أن الحكومة لم يرضها أن يحصل القضاة علي ما حصلوا عليه من ضمانات، فبيتت الأمر بليل حتي تستعيد منهم ما سبق أن حصلوا عليه فأخذت بعضه بالتعديل السابق.وها هي تقضي علي الباقي بهذا التعديل المقترح، بحيث يعود القضاة بهذا التعديل إلي أسوأ ما كانوا عليه قبله حتي تعلّم القضاة الأدب، وتقول لهم إنها لا تجبر علي أداء أمر لا ترغب فيه حتي وإن كانت فيه مصلحة للعباد والبلاد، فإنه لا مصلحة إلا ما تري هي فيه مصلحة، أما غير ذلك فإنه الضرر بعينه لأنه يظهر الحكومة بمظهر الضعيف الذي يستجيب لمطالب الناس ولا يقوي علي قهرهم وظلمهم والتحكم

فيهم.والحقيقة أن الحكومة، أي حكومة في العالم، لا تنبع من إرادة شعبية، ولا تشعر بأن الشعب هو الذي أتي بها إلي الحكم وهو القادر وحده علي إزاحتها إذا لم تلب رغباته، لابد أن يكون هذا مسلكها، وهذا حالنا في مصر، أي حكومة وأي وزير لا يعنيه سوي إرضاء مؤسسة الرئاسة التي أتت به والقادرة وحدها علي العصف به، أما الشعب فإنه قطيع يساق بالعصي وجنود الأمن المركزي وبلطجية الشرطة.إخوتي قضاة مصر.. إذا لم يعد أمركم بأيديكم ومصيركم ومستقبلكم بأيدي مجتمعكم، فلا خير فيكم ولا أمل في مستقبل القضاء والعدالة في مصر، وقد يقول قائل إن مشروع القانون المقترح لا يخرج أمر القضاة من بين أيديهم ولكن فقط يجعله بيد شيوخهم في مجلس الهيئات القضائية المقترح، وأنا أقول ـ رداً علي ذلك ـ إن المقصود بمجتمع القضاة، المطلوب أن يكون أمر القضاة بيده، ليس هم القضاة المعينون بحكم أقدميتهم في مجلس القضاء الأعلي أو مجلس الهيئات القضائية المقترح، ولكن المقصود هو المجالس، التي تتكون من جموع القضاة في المحكمة التي يجلس فيها القاضي، أي الجمعيات العمومية للمحاكم والجمعيات العمومية لناديهم، حصنهم المنيع القادر علي حل مشاكلهم والدفاع عنهم، أما غير هؤلاء فقد ثبت، بالتجربة، أنهم أقرب إلي السلطة التنفيذية عنهم للقضاة، ومجلس يرأسه رئيس الجمهورية، الذي ستكون رئاسته شرفية بالطبع، ولن يحضر سوي افتتاحه، إذا سمحت الظروف له بذلك، وهو ما يعني أن الرئيس الفعلي له هو وزير العدل، رجل السلطة التنفيذية، وتعطي له هذه الصلاحيات المتعلقة بمستقبل القضاة، فهو أمر خطير لا يمكن أن يمر بسهولة مرور الكرام، ولابد من وقفة شديدة تشعر المسؤولين عن هذا المشروع الخطير بأنهم مقدمون علي خطر كبير يمكن أن يمس مستقبل القضاة، بل ومستقبل مصر كلها.

 لابد أن يشعر من يفكر في هذا الأمر بأنه يسير في حقل ألغام ممكن أن ينفجر في أي وقت مع استمرار هذا العبث. وإذا لم يحدث هذا، أو لم يتحرك القضاة للدفاع عن استقلالهم وحصاناتهم، ومر هذا الأمر سهلاً، فإن العاقبة ستكون أشد في الأيام المقبلة، لأن الأيام حبلي بالكثير من الأحداث التي تتلاحق بسرعة غير عادية، وليس هذا إلا لأن هناك شعوراً عاماً لدي الحكومة والشعب بأن أحداث نادي القضاة التي جعلت الشعب يتعلق به والحكومة تعمل له حساباً قد هدأت وضعف الأمل في عودتها مرة أخري. فإذا مر هذا التعديل المقترح من الحكومة دون أن نري منكم غضبة توقفه، فإن هذا الأمر لاشك سيكون له ما وراءه من ضياع لحقوق القضاة، التي تمكنهم من أداء رسالتهم في إعطاء كل ذي حق حقه.أول ما يلفت النظر في مشروع القانون الجديد، أنه جعل مصير القضاة في يد غير القضاة، إذ يتولي رئاسته وزير العدل، وتشمل عضويته رئيس قضايا الدولة ورئيس النيابة الإدارية، وهما من غير القضاة، وبذلك يضم المجلس في عضويته ثلاثة من غير القضاة، في حين أن الأغلبية المطلوبة لإصدار القرار منه تتطلب أربعة، وبذلك يكفي أن ينضم أي عضو من الباقين لهذا التشكيل غير القضائي، ليصدر القرار في غير صالح القضاة.

 وهذا وحده يمثل إهداراً لضمانة الحصانة القضائية. هذا المجلس المقترح اختصاصاته واسعة ومتشعبة نصت عليها المادة الأولي منه، فهو يمسك بيده زمام ومصالح القضاة، ويرعي شؤونهم المشتركة، وله علي الأخص اعتماد توزيع موازنة الهيئات القضائية، وإنشاء ورفع الدرجات القضائية ودرجات الكادر العام، وله سلطات وزير المالية في شأن موازنة الهيئات القضائية والموافقة علي تشكيل مجلس إدارة صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية، وتحديد أسماء أعضاء الشخصيات العامة المنصوص عليها في المادة الثالثة من القانون رقم ٤٠ لسنة ١٩٧٧ بنظام الأحزاب السياسية، وما يمليه وزير العدل للمجلس من موضوعات أخري تتعلق بأي شأن مشترك للهيئات القضائية، هذه بعض اختصاصات المجلس المقترح، وهو كما نري من الشمول والتوسع ما يجعله القابض علي مجريات الأمور بالنسبة لكل ما يتعلق بالقضاة، فإذا أضفنا إلي ذلك ما نص عليه في المادة الخامسة منه علي تكوين لجنة من أعضائه تختص بنظر التظلم من رفع الحصانة القضائية للتحقيق مع القاضي، سواء أكان التظلم من النائب العام طالب الإذن أو من القاضي الصادر ضده قرار رفع الحصانة، يرأسها رئيس المحكمة الدستورية، ويكون من بين أعضائها رئيس هيئة قضايا الدولة ورئيس النيابة الإدارية، وهما ليسا من أعضاء السلطة القضائية يشعرنا بمدي العدوان علي الحصانة القضائية، التي كافح القضاة عشرات السنوات في سبيل الحصول عليها، بل وقضاء المشروع المقترح عليها والمتمثل فيما نص عليه عجز هذه المادة ومخالفتها أبسط المبادئ القانونية والمنطقية، حيث ينص عجزها علي: «ولا يحول التظلم من القرار باتخاذ الإجراءات (قرار رفع الحصانة) دون مباشرة النيابة العامة للتحقيق واتخاذ الإجراءات قبل المتظلم، حتي إصدار اللجنة قرارها في التظلم، وتكون إجراءات التحقيق التي اتخذت صحيحة، ولو صدر قرار من اللجنة بإلغاء الإذن باتخاذ الإجراءات الجنائية».هل تصدقوا إخوتي ما ورد في هذا المشروع؟ ما جدوي التظلم إذن من قرار رفع الحصانة، إذا لم يترتب عليه وقف التحقيق مع القاضي حتي يبت في التظلم الذي ستنظره لجنة، يقترب نصفها من غير القضاة. الأمر الأخطر، والذي لا يمكن أن يستوعبه العقل، أنه في حالة إلغاء الإذن برفع الحصانة، فإن الإجراءات التي بنيت علي هذا الإذن الباطل تظل صحيحة، رغم زوال أساسها الذي بنيت عليه، وهو ما يعرفه العامة قبل الخاصة، «أن ما يبني علي باطل فهو باطل».إخوتي قضاة مصر.. إن نيل الأماني ليس بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً، ولن يتذوق طعم العسل من لا يصبر علي لدغ النحل، فإذا لم يكن لديكم الاستعداد للتضحية من أجل استقلالكم فلن تحصلوا عليه، وستنزع مزاياكم وحصانتكم الواحدة بعد الأخري، وعندئذ لا تلومن إلا أنفسكم.

نائب رئيس محكمة النقضورئيس نادي القضاة بالإسكندرية

www.khodiry.com


الإجراءات

Information

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: