حول مراجعات جماعة الجهاد بقلم ضياء رشوان

20 11 2007
حول وثيقة المراجعات.. رؤية لتاريخ المسلمين وشروط العلم بالجهاد

 بقلم  ضياء رشوان    ١٩/١١/٢٠٠٧

يفتتح سيد إمام الشريف وثيقة «ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم» بمقدمة، يسوق في بدايتها قراءة تاريخية لتطور أحوال الإسلام والمسلمين، حيث يري أن عصرهم الذهبي في ظل دولة عظمي قد امتد منذ تأسيس الرسول (صلي الله عليه وسلم) الدولة الأولي في المدينة، وحتي سقوط الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤، والذي أدي إلي انفراط عقد المسلمين وضعفهم وتفرقهم. ويبدو واضحاً هنا أنه قد تجاهل بصورة واضحة فترات التدهور والصراع بين الدويلات الإسلامية، التي عرفتها هذه الفترة الطويلة، فالمهم بالنسبة له هو بقاء الخلافة، أيا كان ما يحدث بداخلها أو حولها، فهذا هو الدليل الوحيد علي قوة الإسلام والمسلمين.

 أما بالنسبة للخلافة العثمانية، فعلي الرغم من أنه لا يقدم تفسيراً واضحاً للضعف الذي انتابها في أواخر القرن التاسع عشر ـ كما يقول ـ وهل تركزت أسبابه بداخلها أم خارجها، فهو يري أنه ترافق مع «استيلاء الدول الأوروبية علي معظم بلاد العالم الإسلامي فقاموا بتقسيمه وإضعافه ونهب ثرواته وحرمانه من التقدم الصناعي وإبقاء أهله في حالة من التفرق والفقر والتخلف».

 وفوق كل ذلك فقد قامت هذه الدول «بفرض ثقافتها وقوانينها علي بلاد المسلمين بقوة الاحتلال العسكري» ثم قامت «بإنشاء دولة لليهود في قلب العالم الإسلامي لإنهاكه وإذلاله». وفي مرحلة الاستعمار الأوروبي هذه، يفصح الشيخ بصورة واضحة ومباشرة عن الأسباب التي يري أنها كانت وراء كل ذلك ويجملها في أنه «وقع علي المسلمين بذنوبهم»، أي أن المسؤولية الرئيسية – وربما الوحيدة – عما أصاب المسلمين وبلادهم في هذه المرحلة إنما هي داخلية وليست خارجية.

وعلي هذه الخلفية يعود المؤلف مرة أخري إلي ما فعله المحتلون الأوروبيون في بلاد المسلمين، حيث أدي انتشار ثقافتهم «والعمل بقوانينهم إلي شيوع الفساد وانحلال الأخلاق»، لكي يجعله الدافع لولادة الدعوة إلي عودة هذه البلاد لتحكيم الشريعة الإسلامية باعتبار أن هذا «هو أساس كل صلاح للبلاد والعباد فضلاً عن أن تحكيم الشريعة هو واجب علي كل مسلم بمقتضي إيمانه بربه». وفي السياق نفسه الذي يجعل فيه الدكتور فضل تحكيم الشريعة الطريق لصياغة مستقبل أفضل للمسلمين وبلادهم، يعود مرة أخري للتاريخ ليؤكد مقولته هذه فهو «خير شاهد علي عزهم وانتصارهم وغناهم حين تمسكوا بشريعتهم».

 ويتركنا المؤلف هنا في حيرة حقيقية فيما يخص تفسيره الغائب لضعف الخلافة العثمانية ثم سقوطها، فهل يمكن تطبيق مقولته هذه عليها، بحيث يكون الاستنتاج المنطقي هو أن تخلّيها عن تحكيم الشريعة في تلك المرحلة هو السبب المباشر وراء ضعفها ثم سقوطها؟ وهنا يتوجه المؤلف من جديد إلي المستقبل والحاضر وجزء من الماضي القريب في الوقت نفسه ليحدد الأهداف التي يري أن المسلمين سعوا ويسعون خلالها لتحقيقها، فيجملها في هدفين هما: «السعي نحو تحكيم شريعة الإسلام»، و«التصدي للدول العظمي التي لا ترضي إلا بإذلال المسلمين وإضعافهم»، مواصلاً إفصاحه بوضوح عن الأول منهما، بينما يأتي الثاني مضمراً وبصورة غير مباشرة.

وهنا بالضبط يظهر الموضوع الرئيسي للوثيقة، أي الجهاد، حيث يراه المؤلف واحداً من المسالك التي اتبعها المسلمون في ماضيهم القريب وحاضرهم من أجل تحقيق هذين الهدفين، ولجأت باسمه «بعض الجماعات الإسلامية إلي الصدام مع السلطات الحاكمة في بلاده، أو مع بعض الدول العظمي ورعاياها»، وهو الصدام الذي خالطه كثير من المخالفات الشرعية التي أتت الوثيقة لكي ترشدها.

ويبدأ الشيخ عبد القادر بعد ذلك بنود وثيقته الخمسة عشر بالإسلام، الذي يحدد معناه في «الاستسلام والانقياد الكامل لشرع الله»، والذي لا يتحقق سوي «بتقديم مراد الرب علي مراد النفس»، وهو المدخل الذي يدلف منه لطرح موضوع الجهاد الذي يطبق عليه القاعدة نفسها، فالمسلم يجب أن يعرف «ما أوجبه الله عليه في وقته هذا وبحسب استطاعته، وله ثواب ما قام به ويسقط عنه إثم ما عجز عنه (…) أما أن يضع المسلم لنفسه هدفاً، وإن كان في أصله مشروعاً، ولكن فوق طاقته، ولا يناسب حاله ثم يسلك أي وسيلة لتحقيق هدفه غير متقيد بضوابط الشريعة، فهذا قدم مراد نفسه علي مراد ربه». ويمضي الشيخ في تفصيل شرط الاستطاعة والعمل وفق ضوابط الشريعة للقيام بفرض الجهاد، الذي يظل بالنسبة إليه «ذروة سنام الإسلام».

 وهنا ينتقل المؤلف بصورة منطقية وسلسة إلي البند الثاني في وثيقته، وهو التكليف الذي يوجبه الشرع علي المسلمين، والمشروط بامتلاكهم العقل والعلم والقدرة.

وفي مجال العلم المرتبط بقضية الجهاد، يؤكد سبعة مبادئ أساسية يري ضرورة الأخذ بها في هذا المقام، أولها عدم جواز قيام «غير المؤهلين شرعياً من أفراد الجماعات الجهادية بتنزيل ما في بطون كتب السلف من أحكام مطلقة علي واقعنا الحاضر» نظراً لتغير الأحوال والظروف، وثانيها: عدم جواز الفتوي إلا من «مؤهل بصير بالشرع وبحقيقة الواقع»، وثالثها: عدم قبول ما ينشر علي شبكة الإنترنت بدون «دراية بالأهلية الشرعية للناشر وبعدالته» وبخاصة ما يتعلق منها بتحريض المسلمين علي الصدام.

ويظهر هنا المبدأ الرابع وهو أنه «لا يجوز لغير المؤهل أن يقود مثله في عدم الأهلية لخوض صدامات باسم الجهاد، فإن الاحتياط في أمور الدماء والأموال في غاية الوجوب»، ويأتي بعد ذلك المبدأ الخامس منطقياً مع سابقه، حيث لا يجوز قبول أي قول أو فتوي في هذه الأمور السابقة إلا بحجة، والحجة هي الدليل الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله، ثم الإجماع المعتبر والقياس الصحيح، مضيفاً أن أقوال العلماء وفتاواهم لا تعد حجة وهي «ليست من أدلة الأحكام الشرعية المذكورة في كتب أصول الفقه»، ويستكمل المبدأ السادس سابقه، حيث ينفي المعصومية عن أي مسلم بعد النبي محمد «صلي الله عليه وسلم» ويدخل في ذلك بعد الصحابة أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من الفقهاء، حيث لا تدخل أقوالهم في باب الحجة اللازمة ولا الإجماع المتفق عليه.

 وينهي الدكتور فضل المبادئ السبعة الضابطة للعلم في مجال الجهاد بالتحذير مما سماه «فقه التبرير»، وهو قيام بعض الأفراد والجماعات بارتكاب حماقات أو مخالفات شرعية في هذا المجال، ثم يبحثون لهم بعد ذلك عن دليل يبررها ويدفع اللوم عنهم، وهو يري أن هذا هو مسلك أهل البدع منذ القدم، وأنه علي كل مسلم أن يحذر من هذا «المسلك التبريري المعوج».


الإجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: