العم سام في عقلنا بقلم جمال عمر كل احد

11 11 2007

        العم سام في عقلنا بقلم جمال عمر 

       في أحد شوارع القاهرة العامرة بالناس، سأل مقدم الأخبار الأمريكي ، الذي يصور تقرير اخباري عن موقف الشارع العربي والمصري خصوصا ، من الولايات المتحدة، فسال أحد المارة واسمه عرفة عن رأية ،أجاب عرفه:” أمريكا تتدخل في كل مصالحنا ومن حقنا أن يكون لنا صوت في الانتخابات الأمريكية”.على الرغم من المزح الظاهر في رد فعل عرفة ، الا أن في رد فعله عُمق، فالويات المتحدة ظهرت بصورة مباشرة وواضحة في وعينا المعاصر ، خلال الحرب العالمية الأولى ، وبشكل أكبر في الحرب العالمية الثانية .

وتًُعد مواقفها وسياساتها تؤثر على كل ركن من أركان المنطقة ، حيث ينتشر نفوذها السياسي والاقتصادي والاعلامي في كل مكان.         مع ذلك فلم نُقم ولو مركز بحثي واحد أو هيئة أو مؤسسة ، تُقف على دراسة الولايات المتحدة، بالرغم من كل الاموال التي خلفها البترول , والعقود والمصالح التي أنشأتها التوكيلات التجارية الأمريكية ، في الشرق العربي. في الفترة الأخيرة أصبحت المنطقة وأضحت بل وأمست تعج بمراكز وجمعيات أهلية ، لحقوق الانسان ولدراسة الديمقراطية ولتقوية المجتمع المدني وأخرى للسلام ، بل وجمعيات لمقاومة العولمة . ولا يوجد في العالم العربي كله ، مركز لدراسة الولايات المتحدة . تاريخها ، وسياساتها ، اقتصادها . عناصر القوة والضعف ، مراكز النفوذ والسلطة،تركيبها الاجتماعي ، جمعيات الضغط السياسي فيها ،بل لانعرف عدد وتوزيع الاقليات المصرية والعربية والمسلمة فيها . مراكز الدراسات والبحث فيها ودوائر وضع استراتيجيات الولايات المتحدة. 

         ان أمريكا هي الحاضر الغائب . نتحدث عنها من الصباح للمساء ولا نعرف عنها الا القليل ،فالعم سام غائب أو مُغيب في وعينا ، فلا نعرف كيف نتعامل معه ، وكيف نتوقع تصرفاته ، فتصاب ذاكرتنا الجمعية بالضعف وقصر النظر ، فلا تتراكم خبراتنا ، فنُلدغ من نفس الجحر مرات ومرات.ليست المسألة مسألة عنتريات وشجاعة نفتقدها ، في التعامل مع العم سام ، وكذلك ليست المسألة رغبة في فهم العم سام من أجل التقرب والتشبه والتزلف اليه . بل حتى لكل هؤلاء الذين لايطيقون نطق أسم العم سام ، ويرفضون كل نسمة تأتي من ناحية الغرب . ويرفضون كل ماهو أمريكي على طول الخط . لكل هؤلاء أيضا أكتب ،نحتاج الى مراكز بحث تدرس العم سام ، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا أو تناقضنا ، وتصارعنا معه. ان وجود مراكز بحث ودراسات ومتخصصين في شئون الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا مسألة مصير , ووسيلة لمعاجة حالة التفكك والتراجع والتهروء التي يظهر بها الفعل العربي .

         تذخر بلادنا بخبرات كبيرة وكثيرة وعلى مستويات راقية ، لباحثين تعلموا في البلاد وآخرين تعلموا في الغرب ، وفئة أخرى تعيش في الغرب ذاته . لكن القضية ليست في وجود الأفراد ، بل عدم وجود عمل جماعي مؤسسي ، عمل لايرتبط أو يتمحور حول فرد،ومن الأفضل ألا يخرج هذا العمل من مؤسسات تابعة للدولة ، بما تحملة من بيروقراطية وسلطة فوقية توجه الدراسات ، وتجعل عملية البحث تدور في اطار نمطي تكراري ، احتفالى . من الأفضل أن يأتي هذا النشاط  من الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني ، مما يولد مشارب مختلفة  لدراسة نفس الظاهرة . مما يُخرج الجهود من الاطار النمطي في التفكير .

 ومما يعكس التيارات الفكرية المنتشرة في حياتنا وليس من خلال احتكار مدرسة فكرية واحدة لنشر تصورها ورؤاها ، بل تشارك فيه أيضا كل الشركات والاغنياء الجدد الذين ارتبطت مصالحهم بالغرب عموما والولايات المتحدة خاصة ، بحيث لا تتحول الدراسات الي مجرد دراسات أكاديمية نظرية ، بعيدة عن الواقع . ومشاركة هذه الشركات ليس من باب الدعاية فقط بل أن دراسة العم سام ، جزء من النشاط الاقتصادي لهذه الشركات . فلا سبيل للنشاط والتأثير في سياسات العم سام أن لم نكوّن صورة لنا واضحة المعالم والتفاصيل عنه. بجانب هذه الجمعيات يمكن أن تكون جامعة الدول العربية، التي نريدها أن تتحول من جامعة للدول الى جامعة للعرب ، فالعروبة في الأساس رباط ثقافي قبل الرابط السياسي . فتكون هى البوطقة التي تلتقي فيها هذه الجمعيات ، من خلال عمل ثقافي يهم كل العرب ، وأتذكر هنا الجهود الفكرية التي قادها طه حسين من خلال جامعة الدول العربية ، وخصوصا مركز دراسة المخطوطات العربية. فدراسة العم سام قضية عربية عامة وكذلك قضية تهم كل دولة عربية ، وفي نفس الوقت قضية فكرية وثقافية واقتصادية وسياسية . وكذلك قضية اجتماعية وخصوصا بالنبة للغربيين والأمريكيين من أصول عربية ، وجامعة العرب هي شكل مناسب للتواصل بين كل هذه الجوانب. 

         ذهبت لحضور ، يومين مناقشة ، لدراسة نتائج دراسة قام بها ، مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا ، في ولاية نيويورك، احدى الجامعات الأمريكية المرموقة . حيث يجلس على كرس ادوارد سعيد لدراسات الشرق الأوسط ويرأس القسم فيها الباحث رشيد خالدي . وأشرف على هذه الدراسة ” لويس عبد اللطيف كريستلو”، دراسة استمرت لمدة ست سنوات من 1998 حتى عام 2004 حول المسلمين في مدينة نيويورك , كل ما يخص المسلمين في المدينة ، الطلبة والطالبات في المدارس العامة ماهي مشكلاتهم وكيف يتعاملون مع المجتمع المحيط. المسلمون ومدى مشاركتهم في العمل العام . وسائل الاعلام وتغطيتها للمسلمين ، الأنشطة الفنية التي يشارك فيها المسلمين، جمعياتهم الأهلية ، دورهم في النشاط السياسي والاقتصادي ، مساجدهم . أقامت الجامعة- الخاصة- يومين لعرض نتائج الدراسة على الرأي العام . حضر المناقشات أفراد من الناس العاديين ، ممثلين لمجلس مدينة نيويورك  الجمعيات ومراكز البحث المهتمة بوضع المسلمين في نيويورك . وقام بالانفاق على هذه الدراسة مؤسسة ” فورد” ، وهي مؤسسة أقامتها شركة “فورد” لتصنيع السيارات لتنفق منها على الأنشطة الأهلية والاجتماعية والبحثية التي تهم نشاطات الشركة وذبائنها، ولأن دراسة أحوال المسلمين داخل نيويورك جزء من دراسة أكبر تقوم بها ” فورد ” عن المسلمين في العالم . لارتباط المسلمين بمنابع البترول في العالم . البترول الذي بدونه لن تكون هناك شركة فورد ولا مؤسستها . فليس هذا مجرد نشاط خيري بل هو جزء من سياسات واقتصاديات الشركة ومصالحها. وتخصم هذه النفقات من ضرائب الشركة  وعلى هذه الدراسات وغيرها تخطط مدينة نيويورك أجندة أولوياتها تجاه المسلمين في نيويورك .

 لتأتي بعد ذلك خطوة وضع ذلك في سياسات أمام متخذي القرار من عمدة المدينة ومجلس المدينة المنتخب. كذلك نحن في حاجة الى دراسة الولايات المتحدة. في احتفالات اللجنة العربية الأمريكية ضد التمييز التي يمر ، ربع قرن على انشائها . دعت اللجنة الأمير وليد بن طلال ليكون ضيف شرف  الحفل فتحدث في موضوعات مختلفة ، وبحماسة غامرة كانت في بعض أجزائها مندفعة ، الا أنه أعلن في هذه الكلمة عن عزمه الانفاق على اقامة مركزين بحثيين لدراسة الولايات المتحدة الأمريكية ، ليكونا أول مركزين في العالم العربي ، ينشأ الأول في الجامعة الأمريكية في القاهرة والثاني في الجامعة الأمريكية في بيروت , وهذه خطوة وان كان عليها تحفظات وقابلة للنقد الا أنها خطوة في الطريق . فنحن نحتاج الى مراكز متعددة وليس مركزين للدراسة  

     ولنا في تجربتي مركز الأهرام للدراسات الساسية والاستراتيجية ، كنموذج يأتي من مؤسسة عامة قائمة بالفعل وهي مؤسسة الأهرام . وكذلك تجربة مركز دراسات الوحدة العربية  في بيروت كنموذج لنشاط فئة من المثقفين وليس نشاط رسمي من دولة أو مؤسسة تابعة لها . الا أن هناك جانب مفتقد من النموذجين . هو التواصل مع الشارع والفرد العادي الذي من أجلة تتم كل هذه الدراسات ، فنحتاج الى التواصل مع الناس حتى لايكون النشاط نشاط صفوة مفكرة أو نشاط أكاديمي قُح . الجانب الاخر هو الدراسات الميدانية التي تهتم بدراسة المواطن الأمريكي العادي وليس فقط أهل النفوذ والسطوة. ولنبدأ الأن فقد فاتتنا ستة عقود . وليكن لنا صوت في المستقبل.

والله أعلم

 

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: