التماسك والاندماج الاجتماعي في مصر بقلم شريف دوس

7 11 2007
التماسك والاندماج الاجتماعي في مصر

 بقلم  د. شريف دوس    ٧/١١/٢٠٠٧
إن أقباط مصر هم أكثر الأقليات اندماجاً وأخوة مع الأغلبية المسلمة، واختلطت بيوتهم داخل القرية الواحدة، والأقباط لا يمثلون أقلية عرقية أو اثنية أو لغوية، وليس لهم ملابس تميزهم عن سائر الناس ولا كانتونات أو مدن مقصورة عليهم، ولا يتبعون أسلوب حياة غير مألوف ويعيشون وسط الأغلبية المسلمة يؤدون واجبهم كمواطنين، ويطيعون القوانين والدولة، ولا نجدهم يسعون للانعزال ويقدسون وحدة الأمة في مصر.

لقد حاقت بالأقباط شدائد عبر التاريخ «الرومان والفاطميون وعصر المماليك الأول والعثمانيون»، إلا أن هذا لم يؤد إلي تهميشهم أو انعزالهم. كما قاومت الكنيسة المصرية منذ القرن العاشر كل المحاولات الأجنبية الغربية، لتحويل ولاء القبط والمؤسسة الدينية نحو كنائس غربية أو دول أجنبية، والدليل علي تطابق الموقف الديني للمسيحيين في مصر مع النزعة القومية، هو تمسكهم بالتقويم القبطي لتحديد أيام الأعياد، بدلاً من التقويم الميلادي الجريجوري للمسيحيين في الغرب،

 وكذلك تفاعل الكنيسة القبطية مع الثقافات السريانية والحبشية والعربية، وتمسك الكنيسة المصرية بعالمها الشرقي، مع مقاومة فرض أيديولوجية ومذاهب الكنيسة الغربية، وقد كان عهد العذاب الأعظم في فترة حكم الإمبراطور الروماني هرقل «٦١٠ ـ ٦٤٣م»، باعثاً للمصريين علي الترحيب بالفتح العربي لمصر في القرن السابع الميلادي،

 كما أن تحول مصر من اللغة القبطية إلي اللغة العربية في القرن الحادي عشر دليل علي التطابق القومي، وتعتبر هدية السلطان صلاح الدين الأيوبي إلي الكنيسة المصرية «دير السلطان بالقدس» ـ في القرن الثاني عشر ـ دليلاً علي قومية القبط مع المسلمين أثناء الحملة الغربية الصليبية علي القدس، واختلاط دم الأقباط مع المسلمين في حرب أكتوبر ١٩٧٣م، هي أكبر دليل علي قومية مسيحيي مصر.

لقد عانت مصر وسط المنطقة العربية من النظم الشمولية القهرية العقائدية، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ودينياً في النصف الثاني من القرن العشرين، وحين انفرجت بعض الحديات العصرية علت المطالب والحقوق والتفرقة والحسبة السياسية والدينية، إن الشعب المصري متمسك بالمرجعية الدينية الشخصية التي هي حق عرفي ودستوري ولا عدول عنه، لكن أصبحت المرجعيات الدينية الشمولية المفروضة علي الشعوب غير مقبولة وغير منطقية في النظام العالمي الجديد «القرية الواحدة».

إن حقوق المواطن والتكامل في مشروع بناء الدولة العصرية الحضارية تتطلب الاقتناع بأن مسيحية القبطي يحافظ عليها إسلام المسلم، إن مطالب الأقباط واضحة، حتي إن بعض العقلاء والمفكرين من إخواننا المسلمين، يرددون الآن شرعية هذه المطالب والتعرف علي مشاكل عشيرتهم وأهلهم من الأقلية التي تدين بالمسيحية ومشاركتهم في النداء بعدالة مطالبهم.

إن العيش المشترك جزء من تعاليم المسيحية والإسلام وحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، والمساواة بين البشر جميعاً، مقرر في الأديان السماوية علي أساس العقيدة، وليس من مسائل الاجتهاد والنظر إليها في حدود التطبيقات.

حان الوقت لوقف المطالب الخاصة والمرجعيات الشمولية والدفاع عما هو أفضل لمصر، سواء للأغلبية أو الأقليات العقائدية والدينية والاثنية، ومسائل الجنس والأصل والعقيدة، ومساندة السياسة العامة والاقتصاد لمستقبل مشرق لمصر.

ولهذا نتوقع للأقلية المسيحية في مصر حقوق المواطنة الكاملة، يمارسون عبادتهم بكل حرية، ويتعاونون مع إخوانهم المسلمين في حماية بلدهم والمشاركة في حمل الأعباء الموكلة إليهم.

إننا نري تحول القيادة السياسية والاجتماعية والدينية وذوي الفكر في مصر إلي قبول الآخر والأقلية وعرض مشاكلهم ومحاولة حلها تدريجياً، في حين ننتظر ونعمل علي التصالح الشعبي الذي احتقن بشدة عندما علت مطالب الأقلية، وهذا هو المسار الطويل الصعب من أجل الوصول إلي التعايش والتماسك والاندماج الاجتماعي في مصر.


الإجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: