العلمانية وبيضة الفيل مع جمال عمر

24 08 2007

        سأل أحدهما الآخر : هل بيضة الفيل بيضاء أم صفراء؟ رد الآخر متعجبا الفيل لايبيض! فرد الأول  نعم أعرف أن الفيل لايبيض ولكن لو فرضنا ان الفيل يوما باض ، فأي لون سوف تكون هذه البيضة، هذا جزء من قصة ذكرها الراحل ذكي نجيب محمود الذي نحتفل بمرو مئة عام على ميلاده، ذكر هذه القصة ليصور كيف نخلق لأنفسنا قضايا فرضية ونبدأ نُشهر أسنة الرماح ونتصارع عليها ، وهي ليست من قضايانا ، ولكن قضايان من نوع آخر ، هكذا أرى الصراع والجدال حول قضية العلمانية في العالم العربي .

العلمانية رؤية للعالم وموقف من الدين ووسيلة لتنظيم الحياة في المجتمع، ظهرت في الغرب الأوروبي لعوامل اجتماعية خاصة بهذة المجتمعات ، لتُخرج أوروبا من عصورها المظلمة التي سيطرت فيها الكنيسة على مقاليد الأمور ، من حياة فكرية وفنون وأداب وسياسة وحكم ، فكانت حركات الاصلاح الديني التي جعلت من فهم ودراسة الكتاب المقدس ليست حكرا على رجال الدين دون غيرهم مما كان له الأثر في هدم سلطة رجال الدين والتي مهدت ، لبزوغ العلمانية كمنهج يفصل في نظام الحكم وادارة المجتمع بين ماهو ديني و ما هو سياسي و مدني ، بين ماهو دنيوي نعتمد على الحواس والعقل في ادراكه وبين ماهو أُخروي يرتبط بالايمان والتصديق القلبي ، بين ماهو نسبي وما هو مطلق.

http://www.youtube.com/watch?v=13SIsCldms4 

     فما أن انطلق روادونا الذين ارتحلوا الى أوروبا الحديثة المتقدمة، يدرسون وينهلون من علومها وفنونها وأدابها لكي يعودوا الى أوطانهم وأهلهم بما ينفع ، أن عادوا بنفس الأدوية التي استخدمها الأوربيون لدواء أمراضهم ، يدعون لتطبيقها واستخدامها فينا ، دون أن يتمهلوا ويسألوا هل الداء عندنا هو نفس الداء في أوروبا العصور الوسطى ، أم نحن نخلق قضية بيضة الفيل. وهل هذه الأدوية الأوربية هي الحل لأدوائنا أم نحتاج الى  تراكيب فكرية نبدعها نحن لمعالجة مشاكلنا وأمراضنا. ولا يتسرع  المحللون ويدعوا أني أدعو الى العزلة عن العالم والانغلاق والانكفاء على الذات ، بل أدعو الى الانفتاح والتفاعل مع العالم بكل جوانبه ولكن من منطلق التجديد والابداع وليس التقليد والاتباع سواء كان اتباع أسلافنا السابقين أو اتباع الثقافات الأخرى الأكثر قوة منا .علينا أن نستوعب كل منهما في سياق عصره وأن نقتلهما فهما ودرسا ، حتى أن نستطيع ابداع حلول لمشكلات عصرنا. 

     ان التاريخ العربي ذاخر بانفراد سلطة الحاكم وتسلطه ، واستخدام الحكام لعلماء الدين للسيطرة على الناس ، وليس كما كان الحال في أوروبا العصور الوسطى ، من سيطرة رجال الدين والادارة الكنسية على  الامراء ، لأن الكنيسة تتحدث باسم الرب ، وتحتكر تفسير الكتاب المقدس ، على غير ذلك كان عالم وفقيه الدين في العالم الاسلامي ، فهو لايتحدث باسم السماء ، ولكن هو يفتى بناءا على فهمه ، هذا الفهم الذي قد يصيب فينال عليه أجران أو يخطيء فينال عليه أجر من الله ، و من طائفة علماء وفقهاء الدين ; كان ، يخرج الثوار والمقاومين لظلم الحكام والمدافعين عن حقوق الفقراء ، وكانت المساجد والكنائس العربية ومعابد اليهود العرب ،هى المئوى للفقراء ، وصوت للدفاع عن حقوقهم عند أهل السلطان والمدافعين عن الأوطان ضد الغزاة، يشهد بذلك تاريخ الأزهر في مصر ومساجد العراق و الشام ومساجد الجزائر والمغرب ، وكنائس مصر فى ثورة 1919 بل حتى مع فجر الصحوة العربية مع الغزو الأوروبي للعالم العربي والاسلامي ، كان رجال النهضة من هؤلاء الفقهاء وطلبة الفقه، ومن هؤلاء المعممين خرجت طائفة المطربشين والأفندية. من حسن العطار وعمر مكرم ، من الطهطاوي وعلي مبارك ، من جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ، من سعد زغلول وقاسم أمين وأحمد أمين ، من علي عبد الرازق وطه حسين والشيخ أمين الخولي. 

    لاتوجد سلطة دينية في الاسلام، فالفقيه والعالم يصدر فتوى أو اجتهاد ، بمعنى أنها موقف أو وجهة نظر ، هي صائبة لمن يقتنع بها وليست ملزمة لمن لايقتنع بها ، فكما قال الامام المصلح محمد عبده الذي نحتفل بمرور مئة عام على وفاته ، من الاصول التى جاء بها الاسلام ، هدم السلطة الدينية ، حيث كان الكاهن في بلاد العرب ينطق باسم الالهة ، فجاءت العقيده الاسلامية لتجعل العلاقة مباشرة بين الانسان والله بلا وسيط ، وما الفقهاء الا فئة تتدبر القرآن والسنة لتفتي ، والفتوى وجهة نظر وموقف وليست دين ، وكل فرد يُأخذ من كلامه ويرد عليه ولا عصمة لفقيه أو شيخ أو امام بل هم بشر يصيبون ويخطئون ومنهم من يخضع للسلطة والسلطان ومباهج ومنافع الحياة، ومنهم من يعارض ويقاوم ويدفع ضريبة معارضته لأهل السلطان  . 

      فالقضية من وجهة نظري ليست القضاء على سلطة رجال الدين ، أو الفصل بين الدين والدولة ، بل القضية في دكتاتورية السلطة في العالم العربي الاسلامي تلك السلطه التى تستخدم علماء وفقهاء الدين الاسلامى ورجال الدين المسيحيين و أحبار اليهود في فرض سلطانها ووسلطتها على الناس، ان حجر الزاويه هوالقضاء على دكتاتورية السلطة السياسيه العربية التي تأخذ من قوة الشوكه كما قال ابن خلدون ، سواء كانت قوة الشوكة ، هي سلطة الجيش أو سلطة القبيلة ، أو النسب لنسل الرسول (ص) ، والمثقف العربي العلماني الذي يستسهل الطريق مبتعدا عن مواجهة هذه السلطة المتوحشة التي تحمل تراث طويل ، ألاف السنين من القهر والنفي والقضاء على كل من يقاوم أويقلص من جبروت هذه السلطة.

 ان المعركة الحقيقية هي معركة تحويل السلطة في العالم العربي من سلطة تسلطية مطلقه الى سلطة مدنيه ، يأتي بها الناس ، ويغيرها الناس ، ولن يحدث ذلك الا بفتح القنوات والمعابر والطرق بين المثقف العربي والناس ، تلك الطرق التي احتكرتها السلطة واستكان المثقف العربي العلماني لها بدعوى أن السلطة تحمي المجتمع من رجعية وماضوية المتدينين العرب . ونترك الحديث والخوف من لون بيضة الفيل هل هي صفراء أم بيضاء.

والله أعلم            

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: