الوصاية ومسمار الاخوان مع جمال عمر

28 07 2007

     

  انتهينا من درس تجويد القرآن ، على سطح منزلنا في القرية ، حيث يُعلمنا الاستاذ قدري الطالب في السنة النهائية بكلية العلوم قسم الكيمياء ، وعضو الاخوان المسلمين في القرية ، كنا طلبة في المدرسة الثانوية، وكانت هذه هي جلستنا الأولي، في التعليم الموازي الذي ترعاه الاخوان موازيا لتعليم الحكومة، تعليم موازي يُعلم القرآن واللغة العربية والتاريخ الاسلامي والفقه، يتم هذا التعليم داخل المساجد وفي حجرات المنازل وفي كل مكان ممكن ، والأن  يتم في المدارس الخاصة التي أقامها أعضاء الجماعة منذ انتشار المدارس الخاصة مع بداية التسعينات من القرن الماضي .كانت هذه جلستنا الأولى مع الاستاذ قدري، وبعد درس أحكام تجويد قراءة القرآن ، بدأ الأستاذ طالب الكمياء في كلية العلوم ، الحديث ” فقال “كما للجسد غذاءه فللروح غذائها فاذا كان غذاء الجسد الطعام فغذاء الروح القرآن” حككت فروة رأسي ، وسألت ، وأين غذاء العقل يأستاذ قدري؟ فارتبك قدري ربما لأنه لم يتوقع أن يسأل أحد ، في هذه المسلمة، فكان رده “غذاء العقل الطعام، فرددت قائلا ، أنت تمزج بين المخ والعقل ، فكل حيوان له عضو في الجسم اسمه المخ ، ولكن ليس لكل حيوان عقل.كانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة لهذه الخلية، أو ربما لوجودي في هذه الخلية ، لم يعد الأستاذ قدري الى منزلي مرة أخرى . وان ظللنا أصحاب .

 http://www.youtube.com/watch?v=DNiPqBaIlkE

شعرت أنني بعد هذه الجلسة في حرب داحس والغبراء ، لمجرد أنني لم أكن أُسلّم بالأشياء ، ودائم التساؤل  والبحث ، ففقدت بذلك أهم شرط في العضوية هو  “عدم الجدل فيما لاينفع” ، وما لاينفع شمل كل ما تتخيله من اعمال العقل ،والشك والنقد ، ووصلت الأمور الى تحذير شباب الاخوة كما سمعت بعد ذلك من الجلوس معي لأنني مجادل . فكانت هذه تجربة مع الاخوان.تلك تجربة لم أتلقاها من اتجاه فكري أو سياسي آخر طوال فترة الصبا والشباب، ان الاخوان هو التنظيم السياسي الوحيد الذي يعمل وسط الشباب ، منذ المراحل التعليمية الأولى من خلال مدرسين كثرين في التعليم الحكومي ، والأن من خلال المدارس الخاصة التى برع في اقامتها الاخوان ، وخصوصا أصحاب المال الذين ارتحلوا الى الخليج في الخمسينات والستينات من القرن الماضي . ان الاخوان هو التنظيم الذي يتواصل مع الشارع ، ليس لأنه الأفضل والأقدر ، بل لأنهم الوحيدون ، ان جمود الحياة السياسية في مصر ، وتقلص قوة وسيطرة الدولة المصرية- أعني أجهزة الدولة وليس رئاسة الدولة والاجهزة الأمنية  بل التعليم والاعلام والسلطة الروحية للأزهر- مع الخنقة الاقتصادية المستمرة ، أدى كل ذلك لانتشار نفوذ الاخوان بالرغم من الملاحقات الأمنية التي  تتم بشكل عشوائي وبلا منطق ولاسياسات تتبعها لتقدم بديل . 

    http://sonific.com/playlists/8794

  ان تنظيم الاخوان المسلمين الذي ولد في مقهى ، بمدينة الاسماعيلية ، عام 1928م أربع أعوام بعد الغاء كمال أتاتورك منصب الخلافة ، على يد مدرس تخرج في مدرسة دار العلوم –كلية دار العلوم الان- ففكر الجماعة له جذور تعود لحركة الاصلاح والتجديد الديني ، التي ظهرت في مناطق مختلفة من بلاد المسلمين وعلى فترات مختلفة ، ففي مصر كان لفكر وجهود كلا من جمال الدين الأفغاني  ، اصلاح أحوال الخلافة العثمانية لمواجهة الهجمة الاستعمارية الغربية ، وكذلك جهود تلميذه الشيخ الامام محمد عبده ، الذي ركز على أهمية ودور التربية والتعليم وخصوصا بعد مشاركته في هوجة عرابي التي قُضي عليها ، فركز الامام على التربية والتعليم ةتجديد الفكر الديني أكثر من التركيز على السياسة ، وكانت مدرسة دار العلوم المكان الذي حاول أن يقوم بهذه بمهمة ، الوصل بين علوم الدين والتراث وبين العصر ، فاختلفت عن الأزهر. فكانت جهود الشيخ رشيد رضا تلميذ محمد عبده وجامع تراثه الذي لم يكن على نفس قوة وجرأة وتفتح أستاذه ، وكان أكثر محافظة ، ولكن كان له دور أساسي ليس فقط في اطار الفكر والفقه بل امتد للنشاط السياسي ، وكان لمجلة المنار دور رائد في تشكيل فكر الشيخ حسن البنا الذي درس في دار العلوم في تلك الفترة .الفترة التي اشتدت وطأة النفوذ الغربي ليصبح نفوذ احتلال عسكري بجانب التحدي الفكري والحضاري. فمن دراسات الاستشراق التي جعلت من الاسلام السبب لضعف وتخلف المسلمين ، فتولدت مقولة وشعار الاسلام هو الحل وليس العقبةردا ودفاعا عن الذات.وبعد حركة تركيا الفتاة بمحاولة الانقطاع  والقطيعة مع التراث الديني للدولة العثمانية ، كان رد الفعل هو التمسك بالتراث الديني واللغة العربية. كرد فعل، في شكل المحافظة على الذات من الخطر القادم . انه موقف دفاعي . موقف الخائف المتوجس الذي يشعر أن الخطر يأتي من كل ناحية . موقف المدافع الذي لايفكر فيما يدافع عن ، فليس هناك مجال للتفكير والنقد الأن بل كل ذلك مؤجل الى اشعار آخر . وما زلنا في انتظار هذا الاشعار .  

   ان جمعية الاخوان المسلمين ، واحدة من العديد من الجمعيات والمنظمات الأهلية التي ظهرت في مصر في هذه الفترة ، والشيخ حسن البنا كانت له تجارب في انشاء جمعيات أخرى قبل انشاء جمعية الاخوان , وفي نفس الوقت ظهرت الجمعيات الأهلية القبطية التي كانت تواجه هي الأخري عملية التبشير المسيحية الغربية في أرجاء مصر وخصوصا في الصعيد ، فكانت الدعوة للمحافظة على تراث الكنيسة الوطنية القبطية  ، ومذهبها أمام هذه المذاهب الأوروبية الزاحفة.تنظيم الاخوان المسلمين أحد التحديات التي تواجه النظام السياسي المصري منذ فترة الملكية ، هل الاخوان جمعية أهلية تهتم بشؤن الدعوة الدينية كجمعية أنصار السنة المحمدية ، أم هي جمعية تهتم بالنشاط الاجتماعي وخدمة المجتمع . أم هي حزب سياسي يسعى للوصول الى السلطة. وهي نفس الحيرة التي نواجهها الأن ، فكان رد فعل النظام السياسي المصري يدور بين المواجهة والقضاء عليها كما حدث مع حل الجماعة أيام وزارة النقراشي عام 1948، والذي اغتيل بواسطة الجهاز السري للاخوان واغتالت الحكومة الشيخ البنا نفسة وتكررت عملية الاستئصال في عام 1954 بعد محاولة اغتيال عبد الناصر في الأسكندرية ، وفي حملة اعتقالات 1965 ومحاكمات سيد قطب ورفاقة محاكمة عسكرية وشنقهم . وكذلك عتقالات سبتمبر 1981 م التي كان منها اخوان أيضا عمليات الاعتقالات التي تتم قبل كل انتخابات منذ بداية التسعينات .

على جانب آخر كانت هناك فترات تهدئة وتعاون بين النظام الحاكم والاخوان . في فترة الثلاثينات وبداية الأربعينات ، فازدهر نشاط الجماعة وانتشر . وكذلك التعاون بين الاخوان والضباط قبل الثورة وخلال فترة الشد والجذب بين عام 52 و54 . وكذلك في فترة حكم الرئيس السادات الذي حاول أن يستقوي بالتيار الديني لمواجهة الناصريين واليسار بشكل عام . على طول هذا التاريخ تجد الاخوان في الشارع يعملون وفي نفس الوقت ، وضعهم القانوني جماعة محظورة، في فترة الانتخابات الاخيرة ظهر الاخوان انهم القوة التي يريد كل طرف أن يستقوي بهم .      

الصوت الذي دائما استبعد على طول التاريخ . هو صوت الانسان ، المواطن ، الرعية ، الحرافيش . فدائما هناك وصاية من الفئة الحاكمة والمسيطرة . تصادر على صوت الشعب ، فليس له صوت أو اختيار . وفعل نفس الشيء المثقف العلماني ، الا ماندر، ذلك المثقف الذي أخذ من المدنية الأوروبية نموذج ومثال ، ودافع عن الحرية والتقدم ومواجهة الاستعمار تغاضى عن التشوه الذي أصاب الحياة السياسية ، تحت شعار نار السلطة التسلطية خير من جنة الديمقراطية التي يمكن أن تأتي بالمتدينين الرجعيين الذين يعيشون في الماضي ، وسوف يلغون الديمقراطية اذا وصلوا للسلطة ، وفي كلا الحالتين وأدت الديمقراطية.أصبح الاخوان هم مسمار جحا الذي يجعل التسلطية تستمر باسم حماية المجتمع، ويتغاضى المثقف العلماني عن وأد الديمقراطية في سبيل مواجهة الرجعية والتخلف . فلينفض ، المثقف المدني الغبار ، وليرفع شعار الحرية والديمقراطية وليكسر قيد  السلطة التسلطية ، وليلتحم بالناس يحتمي بهم ويأخذ منهم العزم ، فلن يتعلم الناس التفرقة بين الغث والثمين دون مشاركة كل الاطراف من أقصى يمين الفكر الى أقص يساره في حوار خلاق وليكن الحكم للناس عبر صناديق الاقتراع وليكن المجتمع هو الساحة التي يتبارى فيها كل تيار لاقناع الناس . فلن تكن هناك حرية منقوصة أو ديمقراطية عمياء . 

 http://www.youtube.com/watch?v=DNiPqBaIlkE

    لاشك ان عملية الالغاء والاستبعاد التي تمت ضد تنظيم الاخوان المسلمين أثرت في عملية تطورهم الفكري ، ان المشاركة الأخيرة للاخوان أعطت الفرصة لظهور برنامج انتخابي لهم ، مما حفز الكتاب والمفكرين السياسيين تناول هذا البرنامج بالمناقشة والنقد ، وخصوصا من مركز الأهرام للدراسات السياسية ، فهذا الحوار وذلك الجدل هو الذي يولد النضج في الأفكار . ولا شك أن الجيل الثاني من الاخوان يختلف ولو في الدرجه وليس في النوع عن جيل المؤسسين.، فقد حدث نمو سياسيي وفكري ونريد المزيد من الحرية والاصلاح لاستعادة الحياة السياسية في مصر عافيتها ، لصالح المجتمع للخروج من حالة الجمود والاحتقان التي تواجه المجتمع .    فلنخلع معا مسمار جحا الذي يتذرع به النظام الحاكم ولنحارب الوصاية على الناس سواء باسم الدين ، أو باسم حماية المجتمع من الرجعية  ،ولنعلن أن الحكم للشارع ولصندوق الانتخاب وليتنافس المتنافسون. ان الاقصاء ليس الحل لمواجهة الأفكار. بل الفكر يواجه بفكر ، وان كان تسلح الاخوان والتحفافهم  غطاء الدين للوصول لاهداف سياسية هو خطر ، فان اقصاءهم بقوة الوصاية على المجتمع هي أخطر ، ولقد عايشنا نتائجها خلال العقود الماضية ، وفي الحالتين تموت الديمقراطية . فلنخلع المسمار ولأبحث عن الاستاذ قدري لُيجيب عن تساؤلاتي ، ولعله الأن يحمل شهادة الدكتوراه في الكمياء ، فلا زالت الأسئلة تبحث عن اجابة . والله أعلم       

 


الإجراءات

Information

One response

9 08 2007
copal

الأخ الفاضل جمال
مازلت تبهرني بطريقتك الجميله في تفصيل الكلمات والجمل وصولا” للمعني الذي تريد .. وأيضا” أشكرك علي ما سطرته في التعليق علي تدوينتي وأتمني أن يصبح الرواق مزارا” مزدحما” بالقراء والمشاركين .
النظام في مصر ( الحزب الحاكم ) لا ينخذ من الأخوان فقط مسمار جحا فهي جماعة محظورة مخالفة لأحكام القانون – من وجهة نظر القانون المفصل بالطبع – اما الأحزاب السياسية الرسمية فهي أحزاب مهترئة وممزقة من الداخل ومليئة بالمشاكل والصراعات الداخلية مما يجعلها ايضا” تحت الوصاية هي وأعضائها ومن قبلهم مؤسسي الحزب وما حدث بحزب الوفد وحزب الغد ليس ببعيد
ولو أراد الحزب الحاكم أن يقولها علانية وبالبلدي ( لو كان فيكو راجل يطلعلي ) لقالها ولوجدنا أنه لن يصعد له أحد ليس بمعني أنه ليس هناك رجال ولكن بمعني أنه ليس هناك أحزاب تمارس عملا” سياسيا” بحق ، والوحيدون اللذين يمتلكون قدرة تنظيمية ممتازة ( الأخوان المسلمون ) في نظر القانون جماعة محظورة تلقي ترحيبا” من رجال أمن الدولة .
علي العموم الوصاية ما زالت مستمرة سواء بسبب الأخوان أو بسبب الأحزاب السياسية الصورية بمصر وصولا” للفرد الذي يذهب لصندوق الاقتراع ليبيع صوته !!! ولم العجب واللوم فهناك من يبيعون كلاهم وهناك أيضا” من يبييعون دمائهم وفلذات أكبادهم … فمن السهل أن يبيعوا أصواتهم وهذا سر نجاح النظام …. أقصد سر فرض الوصاية من النظام .
والله أعلم .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: